الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

187

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يتوصلوا به إلى معرفة عظمة اللّه وتوقع عقابه لأن الدلالة على ذلك قائمة بأنفسهم وهل التصرف فيهم بالعقاب والإثابة إلّا دون التصرف فيهم بالكون والفساد . والأطوار : جمع طور بفتح فسكون ، والطور : التارة ، وهي المرة من الأفعال أو من الزمان ، فأريد من الأطوار هنا ما يحصل في المرات والأزمان من أحوال مختلفة ، لأنه لا يقصد من تعدد المرات والأزمان إلّا تعدد ما يحصل فيها ، فهو تعدد بالنوع لا بالتكرار كقول النابغة : فإن أفاق لقد طالت عمايته * والمرء يخلق طورا بعد أطوار وانتصب أَطْواراً على الحال من ضمير المخاطبين ، أي تطور خلقهم لأن أَطْواراً صار في تأويل أحوالا في أطوار . [ 15 - 16 ] [ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 15 إلى 16 ] أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ( 15 ) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ( 16 ) إن كان هذا من حكاية كلام نوح عليه السلام لقومه كما جرى عليه كلام المفسرين ، كان تخلصا من التوبيخ والتعريض إلى الاستدلال عليهم بآثار وجود اللّه ووحدانيته وقدرته ، مما في أنفسهم من الدلائل ، إلى ما في العالم منها ، لما علمت من إيذان قوله : وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً [ نوح : 14 ] من تذكير بالنعمة وإقامة للحجة ، فتخلص منه لذكر حجة أخرى ، فكان قد نبههم على النظر في أنفسهم أولا لأنها أقرب ما يحسونه ويشعرون به ثم على النظر في العالم وما سوّي فيه من العجائب الشاهدة على الخالق العليم القدير . وإن كان من خطاب اللّه تعالى للأمة وهو ما يسمح به سياق السورة من الاعتبار بأحوال الأمم الماضية المساوية لأحوال المشركين كان هذا الكلام اعتراضا للمناسبة . والهمزة في أَ لَمْ تَرَوْا للاستفهام التقريري مكنى به عن الإنكار عن عدم العلم بدلائل ما يرونه . والرؤية بصرية . ويجوز أن تكون علمية أي ألم تعلموا فيدخل فيه المرئي من ذلك . وانتصب كَيْفَ على المفعول به ل تَرَوْا ، ف كَيْفَ هنا مجردة عن الاستفهام متمحضة للدلالة على الكيفية ، أي الحالة . والمعنى : ألستم ترون هيئة وحالة خلق اللّه السماوات .